“مسلم يلبس كهنوت المسيح” سيرة الأب عفيف عسيران وروحانيّته
المطران ميشال عون - راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة
الأبُ عفيف لم يكن إنسانًا عاديًا، بل إنسانًا مميّزًا طبع عصرَه ومعاصريه بما اختصَّ به من عمقٍ في التفكير وصفاءٍ في الذهن ومحبةٍ مُتّقدة تلامسُ الكمال الإنجيليّ. وفرادة هذا الكتاب تكمنُ في أن الدكتور لويس صليبا كتب تاريخَ حياة عفيف عسيران ولم يحكِ فقط قصةَ حياتِه. وبين الحكاية والتاريخ يكمُن الفرقُ كلُّ الفرق، إذ اجتهد الكاتبُ في العودة إلى المصادر المُثبَتة، وإلى ما يَرويه شهودُ عيانٍ من شهاداتٍ واقعيّة، وذلك لتوخّي الدِّقّةَ وتجنّبِ المُبالغات التي تبغي أحيانًا تلميعَ الصورةِ وتجميلَها.
وقد جمع الكاتب هذه الشهادات القيّمة التي لا تُقدِّم بحدّ ذاتها سيرةً متكاملة لعفيف عسيران، ولكنها أعطته مادةً ثمينةً أتاحت له، بقراءتِه النقديّة لها ومقارنتِها وإعادةِ تركيبِها وترتيبِها زمنيًا، رسمَ الخطوط الرئيسية لحياة رجلٍ بار تاق طيلة حياته بتواضعٍ لا مثيل له إلى الكمال. وسيرةُ عفيف أو تاريخُ حياتِه لم يُكتَب بعد بالعربية. ولعلّ جهدَ الكاتب يكونُ فاتحةَ خير، ويُساهمُ بطريقة فعّالة في تكوين الملفّ المُزمع تقديمُه ليُرفَع الأب عفيف على المذابح.
فتوّتُه والبحثُ عنِ الله
منذ نعومة أظفاره ظهرت لديه بذورُ الفكر الإلحاديّ، وتجلّت في جدالاته الميتافيزيقية عن الكون والمصير وفي تبنّيه لمذهب داروين. وفي غمرة هذا البحثِ الوجوديّ، كان يسير بخطى ثابتة وحثيثة نحو الفكر الحرّ، فقادت هذه التساؤلات الفتى عفيف إلى إلحادٍ مُعلَن طيلة دراسته الثانوية في كلية المقاصد في بيروت والدراسة الجامعية التي أعقبتها في الجامعة الأمريكية.
غير أن إلحادَه كان مؤقتًا وكان مرحلةَ تحوّل. لم يكن نشاطُه بأوجهه الثقافية والاجتماعية والسياسية سوى محاولة للتفلّت والهرب من إلحاح الحضور الإلهيّ في حياته. وشهدت السنةُ الأخيرة من التخصّص الجامعيّ تحوّلاً أساسيًا في حياة عفيف وفكره، ففيها تخلّص من شكوكِه وإلحادِه وعاد مُسلمًا مؤمنًا، وباشر بممارسة فرائضِ الإسلام بصدقٍ وإخلاص راغبًا بتجربة أصيلة وعميقة في الإسلام. غير أنه في قلب هذه المسيرة الروحيّة لإعادة اكتشاف الإيمان ودورِه في حياته، اتّضح له ضرورةُ الاستعانة بتعاليم الأنبياء، فهم المرسلون الأمناء على ما أوحى الله لهم ليبلّغوه للناس.
وعندما لم يعد هذا التقليد الدينيّ يلبّي طموحَه الروحيّ وبحثَه الدؤوب، تركَه ولم يُبالِ بكلِّ ما قد يُسبّبُه تركُه له من قطيعةٍ مع الأهل والمُحيط. لقد عاد عفيف مؤمنًا بالله أكثر مما عاد مُسلمًا. هذا الشوقُ الروحيّ، هذا العطشُ المبرّح إلى الإلهيّ عجِزَ الإسلامُ بالمفهوم العفيفيّ أن يُرويه. في ممارسته للإسلام كان يصلّي الصلوات الخمس اليومية، وكان دعاؤه المستمر يا رب اجعلني أعرفك. فلنسمعه يقول: “لم تكن صلاتي خارجية وحسب، بل تضمّنت التأمّل. ولكنني كنتُ راغبًا في مزيد من المعرفة. من هو؟ من أنتَ يا رب؟ (…) إلى أن اطّلعتُ يومًا على الإنجيل” (محاضرة عن الدعوة، مدرسة الفرير – كفرياشيت في ٤/ ٦/ ١٩٨٨).
الإيمان المسيحيّ
إن ما سلب عقلَ عفيف وجعله يأخذ القرار بالتحوّل إلى المسيحية هو قراءةُ “عظة الجبل” في إنجيل متى: “سمعتم أنه قيل للأوّلين…، أمّا أنا فأقول لكم… أحبوا أعداءكم، وصلّوا لمضطهديكم… كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل” (متى ٥/ ٢١-٤٨).
يروي المحامي رامز سلامة في شهادة له عن معلّمه وصديقه الأب عفيف: “سألتُه يومًا ما الذي جعلك تتحوّل إلى المسيحية فأجاب: “عندما قرأتُ في الإنجيل أحبوا أعداءكم، قلتُ: “اللهُ هنا”، ولم يُضِف على ذلك شيئًا”. لقد لخّص الأب عفيف دوافعَ وخلفياتِ اختيارِه للمسيحية في سببٍ واحد هو محبةُ الأعداء. ويقول في إحدى الشهادات عن مثاليةِ هذه الوصية وصعوبةِ تحقيقِها: “هذا المثالُ الأعلى عند المسيح لفتَ نظري، وكنتُ أتساءل حقيقةً وأقول: إن هذا المثالَ الأعلى يقرِّبُ من الله ولكني عاجزٌ عن تحقيقِه. ولكن المسيحَ يقولُ في إنجيلِ يوحنا: “من آمن بي يعملُ هو أيضًا الأعمالَ التي أعملُها، بل يعملُ أعظمَ منها” (يو ١٤/ ١٢). ويخلصُ الأب عفيف إلى القول: “كلامُ المسيحِ هذا أسمى بكثير مما أعرفُه عن الإسلام، حتّى عند المتصوّفين”.
كان لقائي الأول مع الأب عفيف سنة ١٩٧٩ وكنتُ يومها طالبًا في المدرسة الإكليريكية الكبرى في غزير في سنتي الجامعية الأولى. دعاه مرةً رئيس المدرسة الخوري (المطران) يوسف بشارة ليعظ لنا الرياضة الروحية الشهرية، ولا أزال أذكر كلامه عن محبة الأعداء حتى النهاية، وعن رفضه كمسيحيٍ مبدأ حقّ الدفاع عن النفس مفضلاً أن يُقتل من أن يَقتل. لاقى هذا الكلام استهجانًا من قِبل الطلاب الاكليريكيين الذين كانوا يدافعون عن التعليم الكنسيّ بحقّ الدفاع عن النفس. أمّا هو فأصرّ على موقفه الإنجيليّ الجذريّ: “أموتُ ولا أقتُل”.
الاختبار الروحيّ والعماد
أما الحدث الأساسيّ، الرؤيا التي غيّرَت حياةَ عفيف وقلبَتها رأسًا على عقب، فيُخبر عنها في نبذةٍ عن حياته وُجدت في درجه بعد وفاته حيث يقول: “وفي ليلةٍ بينما كنت أصلّي، وفي السجدة الأخيرة كنتُ أردّدُ بنشوةٍ: ربي زدني علمًا بك وإيمانًا. وإذا برجلٍ قدماه قرب رأسي، وقامته ملأت الأرض والسماوات. لم أرَ قدميه وقامتَه بعيني، إنما أحسستُ به بكل كياني عين واحدة شاخصة به. أحسستُ بقدرةٍ لا متناهية تُمسِكُني، وتُمسكِنُ الكون”.
من الملاحظ أن عفيف يُتبِع روايتَه للرؤيا مباشرةً بذكر الحب الذي كان يربطه بفتاة خلال دراسته في الجامعة الأمريكية، وما كان لهذه الرؤيا من أثرٍ في نهاية القصّة، يقول: “وكنا متّفقَين على الزواج القريب، ومنذ تلك الليلة فُطم قلبي، ووعدتُ ربّي بأن أكرّسَ له جسدي وروحي”. ومما لا شكّ فيه أن قوّته الروحية ومسيرته نحو القداسة كانت انطلاقتُها في هذه الرؤيا.
قَبِل عفيف سرّ العماد في ١٠ شباط ١٩٤٥ وكان له من العمر ٢٦ سنة. وكانت ردّة فعل الأهل والأقرباء والأصدقاء قاسية، فطُرِد من البيت الوالديّ. كان يعيش في شقةٍ صغيرة في حيّ المتحف الوطني في بيروت ويعمل في وزارة الاقتصاد، فانتقل إلى العيش في قبوٍ إبّان وجوده في صيدا في آخر الأسبوع، وكان فيه يختلي للصلاة والتأمّل… وكان يصلّي حتى يتدخّل روحُ المسيح، ويبدّد الغيوم عن العائلة وعن أهالي صيدا، لتنفرجَ الأزمة الناتجة عن قبوله العماد. وكم تعرّض للإهانات والاستهزاء وكانوا ينعتونه بالجنون، أما عفيف فكان يبتسم لهم ويتقبّل ذلك بروح تسامح متذكّرًا ما تعرّض له المسيح من سخرية. وفجر كل يوم كان يذهب ليركع على عتبة منزله الوالديّ ويطلب من والديه المغفرة على ما سبّبه لهما من ألمٍ “وفضيحة” بين سكان مدينته.
في كل ذلك نرى عظمة المحبة التي كانت تختلج في قلبه، لا سيما لأبناء مدينته صيدا، وكان في هذه المرحلة يصلّي ويفكّر بما يريده المسيح منه لنشر رسالته بين إخوانه المسلمين، وكيف عليه أن يُعلن تعاليم المسيح بحياته وأقواله. لذلك اختار العمل في المُحيط الذي ربّاه.
كانت شهادته مؤثرة حتّى لأفقر الفقراء. أراد أن يعيش هذه المحبة بروح التضامن الحقيقي، فاحتضن أولاد الشوارع الفقراء والمشرّدين واهتمّ بتعليمهم وتأمين الملبس والغذاء لهم. كما عمل في المهن الوضيعة زبالاً في صيدا ثم أجيرَ فرّان وبذلك كان يُلزم نفسه بكل ما يمكن أن يخلق حياة أخوة بين الفقراء، مختارًا أن يكون فقيرًا لكي يتمكّن من العيش بين الفقراء. وكان بعمله هذا يُعطي مثلاً عن التواضع المسيحيّ كما علّمنا الرب يسوع، ويشهد لمسيحيّته أجمل شهادة بقربه من الفقراء.
تمييز دعوة الله له
في كلّ حياته كان عفيف يبحث عن إرادة الله وعن الدعوة التي يدعوه إليها ليقوم برسالته بين إخوته المسلمين. وهكذا فكّر أولاً بالانتساب إلى “إخوة يسوع الصغار” راغباً في أن يعيش الإنجيل، إنجيل الفقر بين الفقراء. فأبرز نذوره الأولى المؤقتة في ١ كانون الأول ١٩٥٢ وامتدّت المسيرة في رهبانية شارل دو فوكو نحو عشر سنوات قضاها بين طالبٍ في لبنان ومبتدئٍ في الجزائر ودارسِ لاهوت في فرنسا وأخٍ في إيران.
ولكنه في نهاية هذه المسيرة، وبعد تمييز المجلس العام لإخوة يسوع الصغار الذي رأى أن عفيف مدعوٌ لدعوةٍ كهنوتية رسولية في المحيط الإسلامي وليس لحياة إخوة يسوع التأمّلية المستترة، انتقل إلى أبرشية بيروت المارونية حيث سيم كاهنًا مُتّخذًا اسم بولس بوضع يد المطران اغناطيوس زيادة، رئيس أساقفة بيروت، بتاريخ ٢٣ شباط ١٩٦٢ في كنيسة السيدة – عين سعادة.
عفيف كاهناً للمشرّدين وأستاذًا جامعيًا
اندفع أبونا عفيف للعمل في رسالته مع الفقراء فأسّس أولاً مؤسسة بيت العناية الإلهية للاهتمام بالأولاد المشرّدين في كفرفالوس ثم انتقل بسبب بعد المسافة إلى الأشرفية حي مدرسة الناصرة، إلى أن استقرّ أخيرًا في الفنار لأن البيت القديم في حي الناصرة كان سيُهدَم ويُمسَح. وفي الوقت عينه، منذ عودته إلى لبنان سنة ١٩٦٢ بدأ بالتعليم الجامعيّ وكان أستاذًا متعاقدًا مع الجامعة اللبنانية، كما علّم الفلسفة والفكر الإسلاميّ في كلية التربية وفي معهد العلوم الاجتماعية وفي الجامعة اليسوعية كلية اللاهوت، فخرّج روّادًا في الحوار المسيحيّ الإسلاميّ. أما راتبه الجامعيّ فكان ينفقه على مشاريعه الخيريّة.
لن أتوسّع بالكلام في هذه العُجالة عن مؤسسة بيت العناية التي تستحقُ وحدَها مداخلةً كاملة، ولكني أكتفي بشهادتي عن أبونا عفيف ورسالته السامية في بيت العناية، وكيف كان دائم الاتكال على العناية الإلهية، يزرع القيم الإيمانية والإنسانية والوطنية في قلوب طلاّبه من خلال مثل حياته وعيشه البسيط وشهادة المحبة التي كان يجسّدها في كلّ ما يقول ويعمل.
وفي خضمّ الحرب اللبنانية عاش الأب عفيف بشكلٍ عمليّ الدعوة إلى محبة العدو التي كانت السبب الأساسيّ في إيمانه المسيحيّ. ولما فرغ بيت العناية في الفنار من التلامذة لفترة بسبب تداعيات الحرب، توجّه نحو الجنوب للقيام بما أعاقته الحرب عن متابعة العمل به في الفنار. وهكذا وصل إلى تأسيس فرعٍ لبيت العناية في تبنين، بدأ كميتم للأطفال ثم أصبح مركزًا مهنيًا.
في كل حياته، كان الأب عفيف عسيران شاهدًا لإيمانه بالمسيح، يشعُّ من وجهه سلامُ المسيح، وعلى ثغرِه ابتسامةٌ رضيّة تعكس ما يحمل هذا القلب الكبير من الحب والفرح والسلام، وكلّها تنبع من علاقةٍ شخصيّة بالرب يسوع.
شكراً من القلب للكاتب الدكتور لويس صليبا على هذا الكتاب الثمين والغنيّ بالشهادات والوثائق، وعلى البحث الدؤوب الذي قام به ليقدّمَ لنا كتابًا مرجعًا لكل من يرغب في التعرّف إلى الأب عفيف عيسران. ويبقى أن أختم كلمتي كما يختم الكاتب كتابه مُشيرًا إلى أن الأب عفيف كان مهندس التلاقي بين المسيحية والإسلام، ويبقى مُلهمًا لنا في رسالته التي جسّدت المحبة المسيحية في حوار العيش المشترك، ومثالاً في كيفية تحقيق ما يدعو إليه الإرشاد الرسوليّ بأن لبنان هو أكثر من وطن، إنه رسالة لكل العالم في الحوار والمحبة والتلاقي.
محاضرة ألقيت في الندوة حول كتابٍ “مسلمٌ يلبس كهنوتَ المسيح، سيرةُ الأب عفيف عسيران وروحانيته” في إطار المعرض المسيحيّ الثاني عشر، انطلياس (٦ ديسمبر ٢٠١٣).
المطران ميشال عون - راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة
الأبُ عفيف لم يكن إنسانًا عاديًا، بل إنسانًا مميّزًا طبع عصرَه ومعاصريه بما اختصَّ به من عمقٍ في التفكير وصفاءٍ في الذهن ومحبةٍ مُتّقدة تلامسُ الكمال الإنجيليّ. وفرادة هذا الكتاب تكمنُ في أن الدكتور لويس صليبا كتب تاريخَ حياة عفيف عسيران ولم يحكِ فقط قصةَ حياتِه. وبين الحكاية والتاريخ يكمُن الفرقُ كلُّ الفرق، إذ اجتهد الكاتبُ في العودة إلى المصادر المُثبَتة، وإلى ما يَرويه شهودُ عيانٍ من شهاداتٍ واقعيّة، وذلك لتوخّي الدِّقّةَ وتجنّبِ المُبالغات التي تبغي أحيانًا تلميعَ الصورةِ وتجميلَها.
وقد جمع الكاتب هذه الشهادات القيّمة التي لا تُقدِّم بحدّ ذاتها سيرةً متكاملة لعفيف عسيران، ولكنها أعطته مادةً ثمينةً أتاحت له، بقراءتِه النقديّة لها ومقارنتِها وإعادةِ تركيبِها وترتيبِها زمنيًا، رسمَ الخطوط الرئيسية لحياة رجلٍ بار تاق طيلة حياته بتواضعٍ لا مثيل له إلى الكمال. وسيرةُ عفيف أو تاريخُ حياتِه لم يُكتَب بعد بالعربية. ولعلّ جهدَ الكاتب يكونُ فاتحةَ خير، ويُساهمُ بطريقة فعّالة في تكوين الملفّ المُزمع تقديمُه ليُرفَع الأب عفيف على المذابح.
فتوّتُه والبحثُ عنِ الله
منذ نعومة أظفاره ظهرت لديه بذورُ الفكر الإلحاديّ، وتجلّت في جدالاته الميتافيزيقية عن الكون والمصير وفي تبنّيه لمذهب داروين. وفي غمرة هذا البحثِ الوجوديّ، كان يسير بخطى ثابتة وحثيثة نحو الفكر الحرّ، فقادت هذه التساؤلات الفتى عفيف إلى إلحادٍ مُعلَن طيلة دراسته الثانوية في كلية المقاصد في بيروت والدراسة الجامعية التي أعقبتها في الجامعة الأمريكية.
غير أن إلحادَه كان مؤقتًا وكان مرحلةَ تحوّل. لم يكن نشاطُه بأوجهه الثقافية والاجتماعية والسياسية سوى محاولة للتفلّت والهرب من إلحاح الحضور الإلهيّ في حياته. وشهدت السنةُ الأخيرة من التخصّص الجامعيّ تحوّلاً أساسيًا في حياة عفيف وفكره، ففيها تخلّص من شكوكِه وإلحادِه وعاد مُسلمًا مؤمنًا، وباشر بممارسة فرائضِ الإسلام بصدقٍ وإخلاص راغبًا بتجربة أصيلة وعميقة في الإسلام. غير أنه في قلب هذه المسيرة الروحيّة لإعادة اكتشاف الإيمان ودورِه في حياته، اتّضح له ضرورةُ الاستعانة بتعاليم الأنبياء، فهم المرسلون الأمناء على ما أوحى الله لهم ليبلّغوه للناس.
وعندما لم يعد هذا التقليد الدينيّ يلبّي طموحَه الروحيّ وبحثَه الدؤوب، تركَه ولم يُبالِ بكلِّ ما قد يُسبّبُه تركُه له من قطيعةٍ مع الأهل والمُحيط. لقد عاد عفيف مؤمنًا بالله أكثر مما عاد مُسلمًا. هذا الشوقُ الروحيّ، هذا العطشُ المبرّح إلى الإلهيّ عجِزَ الإسلامُ بالمفهوم العفيفيّ أن يُرويه. في ممارسته للإسلام كان يصلّي الصلوات الخمس اليومية، وكان دعاؤه المستمر يا رب اجعلني أعرفك. فلنسمعه يقول: “لم تكن صلاتي خارجية وحسب، بل تضمّنت التأمّل. ولكنني كنتُ راغبًا في مزيد من المعرفة. من هو؟ من أنتَ يا رب؟ (…) إلى أن اطّلعتُ يومًا على الإنجيل” (محاضرة عن الدعوة، مدرسة الفرير – كفرياشيت في ٤/ ٦/ ١٩٨٨).
الإيمان المسيحيّ
إن ما سلب عقلَ عفيف وجعله يأخذ القرار بالتحوّل إلى المسيحية هو قراءةُ “عظة الجبل” في إنجيل متى: “سمعتم أنه قيل للأوّلين…، أمّا أنا فأقول لكم… أحبوا أعداءكم، وصلّوا لمضطهديكم… كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل” (متى ٥/ ٢١-٤٨).
يروي المحامي رامز سلامة في شهادة له عن معلّمه وصديقه الأب عفيف: “سألتُه يومًا ما الذي جعلك تتحوّل إلى المسيحية فأجاب: “عندما قرأتُ في الإنجيل أحبوا أعداءكم، قلتُ: “اللهُ هنا”، ولم يُضِف على ذلك شيئًا”. لقد لخّص الأب عفيف دوافعَ وخلفياتِ اختيارِه للمسيحية في سببٍ واحد هو محبةُ الأعداء. ويقول في إحدى الشهادات عن مثاليةِ هذه الوصية وصعوبةِ تحقيقِها: “هذا المثالُ الأعلى عند المسيح لفتَ نظري، وكنتُ أتساءل حقيقةً وأقول: إن هذا المثالَ الأعلى يقرِّبُ من الله ولكني عاجزٌ عن تحقيقِه. ولكن المسيحَ يقولُ في إنجيلِ يوحنا: “من آمن بي يعملُ هو أيضًا الأعمالَ التي أعملُها، بل يعملُ أعظمَ منها” (يو ١٤/ ١٢). ويخلصُ الأب عفيف إلى القول: “كلامُ المسيحِ هذا أسمى بكثير مما أعرفُه عن الإسلام، حتّى عند المتصوّفين”.
كان لقائي الأول مع الأب عفيف سنة ١٩٧٩ وكنتُ يومها طالبًا في المدرسة الإكليريكية الكبرى في غزير في سنتي الجامعية الأولى. دعاه مرةً رئيس المدرسة الخوري (المطران) يوسف بشارة ليعظ لنا الرياضة الروحية الشهرية، ولا أزال أذكر كلامه عن محبة الأعداء حتى النهاية، وعن رفضه كمسيحيٍ مبدأ حقّ الدفاع عن النفس مفضلاً أن يُقتل من أن يَقتل. لاقى هذا الكلام استهجانًا من قِبل الطلاب الاكليريكيين الذين كانوا يدافعون عن التعليم الكنسيّ بحقّ الدفاع عن النفس. أمّا هو فأصرّ على موقفه الإنجيليّ الجذريّ: “أموتُ ولا أقتُل”.
الاختبار الروحيّ والعماد
أما الحدث الأساسيّ، الرؤيا التي غيّرَت حياةَ عفيف وقلبَتها رأسًا على عقب، فيُخبر عنها في نبذةٍ عن حياته وُجدت في درجه بعد وفاته حيث يقول: “وفي ليلةٍ بينما كنت أصلّي، وفي السجدة الأخيرة كنتُ أردّدُ بنشوةٍ: ربي زدني علمًا بك وإيمانًا. وإذا برجلٍ قدماه قرب رأسي، وقامته ملأت الأرض والسماوات. لم أرَ قدميه وقامتَه بعيني، إنما أحسستُ به بكل كياني عين واحدة شاخصة به. أحسستُ بقدرةٍ لا متناهية تُمسِكُني، وتُمسكِنُ الكون”.
من الملاحظ أن عفيف يُتبِع روايتَه للرؤيا مباشرةً بذكر الحب الذي كان يربطه بفتاة خلال دراسته في الجامعة الأمريكية، وما كان لهذه الرؤيا من أثرٍ في نهاية القصّة، يقول: “وكنا متّفقَين على الزواج القريب، ومنذ تلك الليلة فُطم قلبي، ووعدتُ ربّي بأن أكرّسَ له جسدي وروحي”. ومما لا شكّ فيه أن قوّته الروحية ومسيرته نحو القداسة كانت انطلاقتُها في هذه الرؤيا.
قَبِل عفيف سرّ العماد في ١٠ شباط ١٩٤٥ وكان له من العمر ٢٦ سنة. وكانت ردّة فعل الأهل والأقرباء والأصدقاء قاسية، فطُرِد من البيت الوالديّ. كان يعيش في شقةٍ صغيرة في حيّ المتحف الوطني في بيروت ويعمل في وزارة الاقتصاد، فانتقل إلى العيش في قبوٍ إبّان وجوده في صيدا في آخر الأسبوع، وكان فيه يختلي للصلاة والتأمّل… وكان يصلّي حتى يتدخّل روحُ المسيح، ويبدّد الغيوم عن العائلة وعن أهالي صيدا، لتنفرجَ الأزمة الناتجة عن قبوله العماد. وكم تعرّض للإهانات والاستهزاء وكانوا ينعتونه بالجنون، أما عفيف فكان يبتسم لهم ويتقبّل ذلك بروح تسامح متذكّرًا ما تعرّض له المسيح من سخرية. وفجر كل يوم كان يذهب ليركع على عتبة منزله الوالديّ ويطلب من والديه المغفرة على ما سبّبه لهما من ألمٍ “وفضيحة” بين سكان مدينته.
في كل ذلك نرى عظمة المحبة التي كانت تختلج في قلبه، لا سيما لأبناء مدينته صيدا، وكان في هذه المرحلة يصلّي ويفكّر بما يريده المسيح منه لنشر رسالته بين إخوانه المسلمين، وكيف عليه أن يُعلن تعاليم المسيح بحياته وأقواله. لذلك اختار العمل في المُحيط الذي ربّاه.
كانت شهادته مؤثرة حتّى لأفقر الفقراء. أراد أن يعيش هذه المحبة بروح التضامن الحقيقي، فاحتضن أولاد الشوارع الفقراء والمشرّدين واهتمّ بتعليمهم وتأمين الملبس والغذاء لهم. كما عمل في المهن الوضيعة زبالاً في صيدا ثم أجيرَ فرّان وبذلك كان يُلزم نفسه بكل ما يمكن أن يخلق حياة أخوة بين الفقراء، مختارًا أن يكون فقيرًا لكي يتمكّن من العيش بين الفقراء. وكان بعمله هذا يُعطي مثلاً عن التواضع المسيحيّ كما علّمنا الرب يسوع، ويشهد لمسيحيّته أجمل شهادة بقربه من الفقراء.
تمييز دعوة الله له
في كلّ حياته كان عفيف يبحث عن إرادة الله وعن الدعوة التي يدعوه إليها ليقوم برسالته بين إخوته المسلمين. وهكذا فكّر أولاً بالانتساب إلى “إخوة يسوع الصغار” راغباً في أن يعيش الإنجيل، إنجيل الفقر بين الفقراء. فأبرز نذوره الأولى المؤقتة في ١ كانون الأول ١٩٥٢ وامتدّت المسيرة في رهبانية شارل دو فوكو نحو عشر سنوات قضاها بين طالبٍ في لبنان ومبتدئٍ في الجزائر ودارسِ لاهوت في فرنسا وأخٍ في إيران.
ولكنه في نهاية هذه المسيرة، وبعد تمييز المجلس العام لإخوة يسوع الصغار الذي رأى أن عفيف مدعوٌ لدعوةٍ كهنوتية رسولية في المحيط الإسلامي وليس لحياة إخوة يسوع التأمّلية المستترة، انتقل إلى أبرشية بيروت المارونية حيث سيم كاهنًا مُتّخذًا اسم بولس بوضع يد المطران اغناطيوس زيادة، رئيس أساقفة بيروت، بتاريخ ٢٣ شباط ١٩٦٢ في كنيسة السيدة – عين سعادة.
عفيف كاهناً للمشرّدين وأستاذًا جامعيًا
اندفع أبونا عفيف للعمل في رسالته مع الفقراء فأسّس أولاً مؤسسة بيت العناية الإلهية للاهتمام بالأولاد المشرّدين في كفرفالوس ثم انتقل بسبب بعد المسافة إلى الأشرفية حي مدرسة الناصرة، إلى أن استقرّ أخيرًا في الفنار لأن البيت القديم في حي الناصرة كان سيُهدَم ويُمسَح. وفي الوقت عينه، منذ عودته إلى لبنان سنة ١٩٦٢ بدأ بالتعليم الجامعيّ وكان أستاذًا متعاقدًا مع الجامعة اللبنانية، كما علّم الفلسفة والفكر الإسلاميّ في كلية التربية وفي معهد العلوم الاجتماعية وفي الجامعة اليسوعية كلية اللاهوت، فخرّج روّادًا في الحوار المسيحيّ الإسلاميّ. أما راتبه الجامعيّ فكان ينفقه على مشاريعه الخيريّة.
لن أتوسّع بالكلام في هذه العُجالة عن مؤسسة بيت العناية التي تستحقُ وحدَها مداخلةً كاملة، ولكني أكتفي بشهادتي عن أبونا عفيف ورسالته السامية في بيت العناية، وكيف كان دائم الاتكال على العناية الإلهية، يزرع القيم الإيمانية والإنسانية والوطنية في قلوب طلاّبه من خلال مثل حياته وعيشه البسيط وشهادة المحبة التي كان يجسّدها في كلّ ما يقول ويعمل.
وفي خضمّ الحرب اللبنانية عاش الأب عفيف بشكلٍ عمليّ الدعوة إلى محبة العدو التي كانت السبب الأساسيّ في إيمانه المسيحيّ. ولما فرغ بيت العناية في الفنار من التلامذة لفترة بسبب تداعيات الحرب، توجّه نحو الجنوب للقيام بما أعاقته الحرب عن متابعة العمل به في الفنار. وهكذا وصل إلى تأسيس فرعٍ لبيت العناية في تبنين، بدأ كميتم للأطفال ثم أصبح مركزًا مهنيًا.
في كل حياته، كان الأب عفيف عسيران شاهدًا لإيمانه بالمسيح، يشعُّ من وجهه سلامُ المسيح، وعلى ثغرِه ابتسامةٌ رضيّة تعكس ما يحمل هذا القلب الكبير من الحب والفرح والسلام، وكلّها تنبع من علاقةٍ شخصيّة بالرب يسوع.
شكراً من القلب للكاتب الدكتور لويس صليبا على هذا الكتاب الثمين والغنيّ بالشهادات والوثائق، وعلى البحث الدؤوب الذي قام به ليقدّمَ لنا كتابًا مرجعًا لكل من يرغب في التعرّف إلى الأب عفيف عيسران. ويبقى أن أختم كلمتي كما يختم الكاتب كتابه مُشيرًا إلى أن الأب عفيف كان مهندس التلاقي بين المسيحية والإسلام، ويبقى مُلهمًا لنا في رسالته التي جسّدت المحبة المسيحية في حوار العيش المشترك، ومثالاً في كيفية تحقيق ما يدعو إليه الإرشاد الرسوليّ بأن لبنان هو أكثر من وطن، إنه رسالة لكل العالم في الحوار والمحبة والتلاقي.
محاضرة ألقيت في الندوة حول كتابٍ “مسلمٌ يلبس كهنوتَ المسيح، سيرةُ الأب عفيف عسيران وروحانيته” في إطار المعرض المسيحيّ الثاني عشر، انطلياس (٦ ديسمبر ٢٠١٣).
يروي المحامي رامز سلامة كيف تعرّف الى الأب عفيف عسيران وكيف نمت صداقة استمرّت 8 سنوات. ويتحدّث عمّا لفته بالأب عفيف وعن التجربة الروحيّة الخاصة التي مرّ بها الأب عفيف في شبابه والتي غيّرت حياته.
|
تُضيء جنين صفا في شهادتها عن الأب عفيف على بعض جوانب من شخصيته ودعوته مع الأولاد المشردين وأيضًا على محاولاته لحماية بعض العائلات المُسلمة التي بقيت في المناطق المسيحيّة في بدايات الحرب اللبنانية.
|
الخوري فرنسيس
أبونا عفيف رجلٌ عفيفٌ بِكلِّ ما في الكلمةِ منْ معنى. تَعفَّفَ عن كلِّ ملذّاتِ وخيراتِ ومراكزِ هذه الدنيا، ليكونَ خادماً خفيًّا في حقلِ الرَّبِّ. يبدأ نهارَه ويُنهيه ويَقرَعُ صدرَه قائلاً: "أنا عبدٌ بطّالٌ لم أعملْ شيئًا"، ناسِبًا كلَّ خيرٍ عمَلَه أنّه من الله وليس منه، فهو ليس بشيء. ما عدا عنِ التّعب والسّهر وبَذْل الذّاتِ وكلّ ما له وعنده ولديه من حِكمةٍ ومَقدِرةٍ ومالٍ، في سبيل خدمة الآخَر، كبيراً أو صغيراً،عالِمًا أو جاهلاً بارًّا أو مُذنِبًا، كان مَنْ كان. كان عسيرًا، عسيرًا على الشّر والحِقد والغضَب والإنتقامِ والعَداوة. كان عسيرًا عليه، أن يرى انساناً محزونًا أو تعِبًا او جائعاً أو متروكاً من آخَرينَ ولا يُخرِجه من حالته ويضُمُّه كأبٍ وأمٍّ وأخٍ فيشعُر بالطُّمأنينة والسّلام. أبونا عفيف كان عسيرًا عليه أن يرى انساناً لا يتّقي الله إلّا وكان يبكي عليه. ويقول :"حرامٌ على الإنسان أن لا يتمتع بحُبِّ الله ورحمته ورضوانه، حرامٌ على الإنسان أن لا يعرفَ العيشِ مع أخيه الإنسان بالحبّ والرّضى. ما أجملَ انسانا يشعُر أنّ البشريّة كلّها إخوةٌ له. وكان كلّما تكلّم بهكذا موضوع يبكي كالطّفل ويتضرّع من أعماق قلبِه الى رحمةِ الله طالبًا عَفوَه عن خطاياه أوّلاً وخطايا البشر، بِحيثُ كان يشعر بذاته أنّه هو أيضًا إنسانٌ ضعيف. أبونا عفيف كانتْ صلاتُه حديثاً دائماً معَ الله في تعَبِه وراحتِه، في ليلِه ونهارِه، من أجل ذاته ومن أجل الآخَرينَ على السَّواء. هذا بَصيصٌ من شمسِ الرّوح الّتي كانتْ مَحجوبةً في شخصِ الأب عفيف عسيران الذي عاش ومات في يديّ الله. هذا ما استطاعَ، مَنْ لا استِطاعةَ له، أنْ يقوله الخوري فرنسيس عن الأب عفيف عسيران.
أبونا عفيف رجلٌ عفيفٌ بِكلِّ ما في الكلمةِ منْ معنى. تَعفَّفَ عن كلِّ ملذّاتِ وخيراتِ ومراكزِ هذه الدنيا، ليكونَ خادماً خفيًّا في حقلِ الرَّبِّ. يبدأ نهارَه ويُنهيه ويَقرَعُ صدرَه قائلاً: "أنا عبدٌ بطّالٌ لم أعملْ شيئًا"، ناسِبًا كلَّ خيرٍ عمَلَه أنّه من الله وليس منه، فهو ليس بشيء. ما عدا عنِ التّعب والسّهر وبَذْل الذّاتِ وكلّ ما له وعنده ولديه من حِكمةٍ ومَقدِرةٍ ومالٍ، في سبيل خدمة الآخَر، كبيراً أو صغيراً،عالِمًا أو جاهلاً بارًّا أو مُذنِبًا، كان مَنْ كان. كان عسيرًا، عسيرًا على الشّر والحِقد والغضَب والإنتقامِ والعَداوة. كان عسيرًا عليه، أن يرى انساناً محزونًا أو تعِبًا او جائعاً أو متروكاً من آخَرينَ ولا يُخرِجه من حالته ويضُمُّه كأبٍ وأمٍّ وأخٍ فيشعُر بالطُّمأنينة والسّلام. أبونا عفيف كان عسيرًا عليه أن يرى انساناً لا يتّقي الله إلّا وكان يبكي عليه. ويقول :"حرامٌ على الإنسان أن لا يتمتع بحُبِّ الله ورحمته ورضوانه، حرامٌ على الإنسان أن لا يعرفَ العيشِ مع أخيه الإنسان بالحبّ والرّضى. ما أجملَ انسانا يشعُر أنّ البشريّة كلّها إخوةٌ له. وكان كلّما تكلّم بهكذا موضوع يبكي كالطّفل ويتضرّع من أعماق قلبِه الى رحمةِ الله طالبًا عَفوَه عن خطاياه أوّلاً وخطايا البشر، بِحيثُ كان يشعر بذاته أنّه هو أيضًا إنسانٌ ضعيف. أبونا عفيف كانتْ صلاتُه حديثاً دائماً معَ الله في تعَبِه وراحتِه، في ليلِه ونهارِه، من أجل ذاته ومن أجل الآخَرينَ على السَّواء. هذا بَصيصٌ من شمسِ الرّوح الّتي كانتْ مَحجوبةً في شخصِ الأب عفيف عسيران الذي عاش ومات في يديّ الله. هذا ما استطاعَ، مَنْ لا استِطاعةَ له، أنْ يقوله الخوري فرنسيس عن الأب عفيف عسيران.
الدكتور انطوان سعد
مع الأب عفيف عسيران تعرفُ معنى الفقر الانجيليّ، تعرفُ قيمةَ العِلم في خدمة المحبّة، وتعرفُ قيمةَ الإصغاءِ في عالَم ِالضجيجِ، ومعه يجذبُكَ المسيح كما جذَبه هو، وتزدادُ إعجاباً بالمسيح أكثَر بكثيرٍ من اعجابك بالمسيحيّين-كما كان يُلمّح- ومعه تؤكِدُ انّ هذا الرجلَ تحدٍّ للمسيحيّين كي يعيشوا مسيحيّتهم قبل ان يكون تحدّيًا للمسلمين الذين خرج منهم، ولكنّه كان دائماً يدعو الى التّحاورِ معهم والى محبّتِهم بدونِ شروط. |
الأب مارون عطالله
وطوَالَ السنةِ الدراسيّة ١٩٤٨-١٩٤٩ كانت اقوالُه ومسلكُه وتعاليمُه شهادةً: وصلَ يوماً الى الصفّ، فكُنّا بانتظارِه، انطوان مسعد وأنا. وكان الثالثُ غائبًا. فسألَ عنه، فقلنا: "بشارة طريحُ الفِراش". فتمنّى علينا انْ ننطلقَ الى عنده في ساعة ِالتعليم. وما إن وصَلنا الى قاعة ِالنوم وجلسنا من حول بشارة، حتى رأينا عفيفاً يتوجّه صَوبَ رِجلَي بشارة، ويكشِف عنهما ويقبّلهما مُعلنًا: "هذا المسيح مصلوباً"، ويبدأ الصفّ. |
غريس عطيه
"رَأيتُ رَجُلاً حقيقيّاً حانِياً رأسَه للمُشرَّدين والفُقراء والأُميّين مِنَ الأطفال ِالمَتروكين، المُهَمَّشين، الضائِعين، الحَزانى، المُتعَبين، كُهولٍ بأجسادِ أطفال. هَذا هُوَ رَجُلٌ صالِحٌ، مثَّلَ الرُجوليَّةَ بالتَواضُعِ والمَحبَّة. رَجُلُ القَرنِ العِشرين. إنَّهُ المَثلُ في عالَمٍ صاخِبٍ يَركُضُ وراءَ مصالِحِهِ الشخصيَّةِ حتَّى الأنانِيَّة أحياناً. مَن هُوَ يا تُرى؟" مقتطف من مقال غريس عطيه "بَطَلٌ أم إنسان؟ حول الأب عفيف عسيران. أنقر هنا للمقال الكامل. |
المطران مُنجد الهاشم يتحدّث عن لقائه الأول بالأب عفيف وتأثيره على دعوته.
ا |
يُحدّثنا د. حسن عواضة عن إيمان الأب عفيف عسيران وكيف وافق بين الصلاة والعمل. ويتحدّث أيضًا عن تأثير عائلته على طريقة ممارسته لإيمانه وعن عفيف المُتصوّف.
|
المطران غي بولس نجيم
حظّي كبيرٌ أنّني عرفت الأب عفيف عسيران ولو لفترة قصيرةٍ جدّاً، بالتحديد سنتين، كأستاذٍ جامعي للفكر الإسلامي. ولكنّ شخصيّته الفذّة أثارت اندهاشنا وإعجابنا ولا يزال صداهما يشجّعاننا على درب الفضائل كلّما هدّدتنا تجربة الملل في طلبها. فقد كان واضحاً أنّ المحبّة الإلهيّة كانت قد جذبته إليها بلا رجوع وهيّأته حقّاً، منذ هذه الفانية، للتمتّع بجمال الله وكلّ جمالٍ دون أيّ عائق. |
المطران ميشال عون
كانت شهادته مؤثرة حتّى لأفقر الفقراء. أراد أن يعيش هذه المحبة بروح التضامن الحقيقي، فاحتضن أولاد الشوارع الفقراء والمشرّدين واهتمّ بتعليمهم وتأمين الملبس والغذاء لهم... في كل حياته، كان الأب عفيف شاهدًا لإيمانه بالمسيح، يشعُّ من وجهه سلامُ المسيح، وعلى ثغرِه ابتسامةٌ رضيّة تعكس ما يحمل هذا القلب الكبير من الحب والفرح والسلام، وكلّها تنبع من علاقةٍ شخصيّة بالرب يسوع. |
المطران بولس عبد الساتر
الخوري عفيف عسيران هو إنسان اندهش بيسوع وعشقه فاختار ان يعيش معه وبه ولأجله الحب الكامل، حتى حبَّ الأعداء. من عاش او عمل مع الخوري عفيف، ومن رأى أعماله وسمع أقواله، لم يشكّ يومًا بحضور الرب معنا وبعمله فينا وفي عالمنا. |
يروي الخوري شربل خيرالدين (علي خيرالدين سابقًا) كيف تعرّف الى الأب عفيف عسيران في بدايات إيمانه وكم تأثّر به وخاصة بطريقة حياته وعمله، خاصة مع أولاد الشوارع، الذي كان تجسيدًا لإيمانه بيسوع المسيح ويصفه بـ "الريح التي لا تهدأ...".
|
يُيتابع الخوري شربل خيرالدين (علي خيرالدين سابقًا) حديثه عن الأب عفيف عسيران، كيف عمّده في العام 1986 وكيف كان تجسيداُ لتضامن يسوع مع الفقراء وصورة لله الحنون ويصفه بـ "أيقونة الثالوث الأقدس".
|
تتحدّث مليحة عسيران إبنة عم الأب عفيف عن عمله كأجير في أحد أفران مدينة صيدا كطريقة لمشاركة الفقراء مُعاناتهم بالرغم مما واجهه من عدم تفهّم وانتقادات وتُتابع لتذكر بعض أسباب، قالها هو، لاعتناقه المسيحيّة.
|
تروي زاهية عسيران كم تأثرت بأخلاق عفيف عسيران الشاب وتقول: "الله قد خلقه قديسًا منذ صغره". وتتابع لتُخبر لماذا كانت تخاف على حياته بعد إعتناقه المسيحيّة وكيف غيّرت أعماله نظرة مجتمعه إليه.
|
الكسندرا الأنطاكي
كانت شهادته مؤثرة حتّى لأفقر الفقراء. أراد أن يعيش هذهالأب عفيف رجل صلاة ، مُتواضع ، صامت ، مؤمن، مرِح ، صلاته كانت تفريغاً لذاته للامتلاء من الله . كان مطيعاً لربّه كطاعة العذراء مريم ، أي طاعة فوريّة وتلبية دون تباطؤ . كان انساناً لا يُقاوم ، وكان عيشـه للإنجيل يشـعّ على وجهه محبّةَ المسيح التي جعلت كلّ الذين يرونه يُطيعونه بِلا تردّد عندما كان يطلب منهم مساعدة الفقراء. |
رامز سلامة
إن كانت المحبـّة هي العنوان الساطع لسـيرة عفيف عســيران، فهناك فضيلة أخرى تنافسـها على المقام الأول في حياته. إنّها التواضع. وقد لفتني تأثّر العديدين ممّن عرفوه تأثراً عميقاً بهذه الفضيلة الثابتة لديه. |
رباب الصدر
غاص الأب عفيف عسيران عميقًا في أغوار المحبّة، وتوجّه بها إلى من هم بأمس الحاجة إليها، إلى الفقراء والمعوزين والمشردين. وذهابه إلى هؤلاء لم يكن عابرًا أو هامشيّا، بل هو عاش حياتهم وامتشق معاناتهم وسار بهم إلى فرص الاكتفاء والرجاء. |
يُخبرنا د. عفيف عسيران إبن أخ الأب عفيف عن علاقة عمّه الممتازة بأهله ويقول بأنه "شيء عجيب" كيف أنّ هذه العلاقة لم تهتز بعد أن أعتنق عفيف المسيحيّة ويُكمل ليصف العلاقة المميزة
التي استمرّت بين أبيه وعمّه الأب عفيف. |
كتب د. عفيف عسيران إبن أخ الأب عفيف: "إنّ بحث الأب عفيف عن الحقيقة قاده الى يسوع المسيح". شرح لنا د. عفيف كيف توصّل الى هذا الإستنتاج وتوسّع في الحديث ليكشف بعضًا من فكر وشخصيّة الأب عفيف خاصة بعد أن أمضى معه سنة في مؤسّسة دار العناية التي أسّسها الاب عفيف للإهتمام بالأولاد المشردين في منطقة الفنار في لبنان.
|